ابن قيم الجوزية

66

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

المغفرة فهو سبحانه نصب الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه وأعدائه وجعلها أسبابا لإرادته كما جعلها أسبابا لوقوع مراده فمنه السبب والمسبب . وإن أشكل عليك ذلك فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه فهو يحب ويرضى ويغضب ويسخط عن الأسباب التي خلقها وشاءها فالكل منه وبه مبتدأ من مشيئته وعائد إلى حكمته وحده . وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد لا يلجه إلا العالمون باللّه . ونظير هذه الآية في سؤاله ما وعد به قوله تعالى : قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته لهم ، فالجنة تسأل ربها أهلها ، وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم ، ويوم القيامة يقيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين ، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سئل . ما هو من لوازم أسمائه وصفاته واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها ، فالرب تعالى جواد له الجود كله يحب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه ، فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه فهو خالق السائل وسؤاله ومسئوله ؛ وذلك لمحبته سؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو يغضب إذا لم يسأل . اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا ، وهو يحب الملحين في الدعاء وكلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه ؛ وفي الحديث « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » فلا إله إلا هو ، أي جناية جنت القواعد الفاسدة على الإيمان وحالت بين القلوب وبين معرفة ربها وأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله ! ! والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه . قال أبو نعيم الفضل حدثنا يونس هو ابن أبي إسحاق حدثنا يزيد بن أبي مرثد قال قال أنس بن مالك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مسلم يسأل اللّه الجنة ثلاثا إلا قالت الجنة اللهم أدخله الجنة . ومن استجار من النار باللّه ثلاثا قالت النار اللهم أجره من النار » رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن هناد بن السرى عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن يزيد به . وقال الحسن بن سفيان حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن ليث عن يونس بن حبان عن أبي